ابن كثير

381

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن جريج عن عطاء : سمعت ابن عباس يقول : هما فجران ، فأما الذي يسطع في السماء فليس يحل ولا يحرم شيئا ، ولكن الفجر الذي يستنير على رؤوس الجبال هو الذي يحرم الشراب ، وقال عطاء فأما إذا سطع سطوعا في السماء ، وسطوعه أن يذهب في السماء طولا ، فإنه لا يحرم به شراب الصائم ولا صلاة ولا يفوت به الحج ، ولكن إذا انتشر على رؤوس الجبال ، حرم الشراب للصيام وفات الحج ، وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس وعطاء ، وهكذا روي عن غير واحد من السلف رحمهم اللّه . [ مسألة ] ومن جعله تعالى الفجر غاية لإباحة الجماع والطعام والشراب لمن أراد الصيام يستدل على أنه من أصبح جنبا فليغتسل وليتم صومه ولا حرج عليه ، وهذا مذهب الأئمة الأربعة وجمهور العلماء سلفا وخلفا ، لما رواه البخاري ومسلم من حديث عائشة وأم سلمة رضي اللّه عنهما أنهما قالتا : كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يصبح جنبا من جماع غير احتلام ثم يغتسل ويصوم وفي حديث أم سلمة عندهما : ثم لا يفطر ولا يقضي ، وفي صحيح مسلم عن عائشة ، أن رجلا قال : يا رسول اللّه ، تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم » فقال : لست مثلنا يا رسول اللّه ، فقد غفر اللّه لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، فقال « واللّه إني لأرجو أن أكون أخشاكم للّه وأعلمكم بما أتقي » . فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد « 1 » : حدثنا عبد الرزاق عن معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنه قال « إذا نودي للصلاة صلاة الصبح وأحدكم جنب فلا يصم يومئذ » فإنه حديث جيد الإسناد على شرط الشيخين كما ترى ، وهو في الصحيحين عن أبي هريرة ، عن الفضل بن عباس ، عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي سنن النسائي عنه عن أسامة بن زيد والفضل بن عباس ولم يرفعه . فمن العلماء من علل هذا الحديث بهذا ، ومنهم من ذهب إليه ، ويحكى هذا عن أبي هريرة وسالم وعطاء وهشام بن عروة والحسن البصري ، ومنهم من ذهب إلى التفرقة بين أن يصبح جنبا نائما فلا عليه ، لحديث عائشة وأم سلمة ، أو مختارا فلا صوم له ، لحديث أبي هريرة ، يحكى هذا عن عروة وطاوس والحسن ، ومنهم من فرق بين الفرض فيتم فيقضيه ، وأما النفل فلا يضره ، رواه الثوري عن منصور ، عن إبراهيم النخعي وهو رواية عن الحسن البصري أيضا ، ومنهم من ادعى نسخ حديث أبي هريرة بحديثي عائشة وأم سلمة ، ولكن لا تاريخ معه ، وادعى ابن حزم أنه منسوخ بهذه الآية وهو بعيد أيضا إذ لا تاريخ بل الظاهر من التاريخ خلافه ، ومنهم من حمل حديث أبي هريرة على نفي الكمال فلا صوم له ، لحديث عائشة وأم سلمة الدالين على الجواز ، وهذا المسلك أقرب الأقوال وأجمعها ، واللّه أعلم . ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ يقتضي الإفطار عند غروب الشمس حكما شرعيا ، كما جاء في

--> ( 1 ) مسند أحمد ( ج 2 ص 314 )